بين الأمس واليوم… قصة قصيرة مؤثرة

large e1554400074123

بين الأمس واليوم… قصة قصيرة مؤثرة،بين الأمس واليوم مسافة لا تُقاس بالسنوات وحدها، بل بما تغيّر في القلوب، وما سقط من الأحلام، وما نضج من الألم. هناك أشياء تمرّ بنا فنظنها عابرة، ثم نكتشف لاحقًا أنها كانت مفترق طرق، وأننا لو عدنا خطوة واحدة إلى الخلف، لاخترنا بشكل مختلف… أو ربما لا.

كان “سالم” يجلس في الغرفة نفسها التي كبر فيها، لكن كل شيء بدا أصغر مما كان عليه في الأمس. الجدران التي كانت تتسع لأحلامه، ضاقت. النافذة التي كان يرى منها العالم، صارت لا تطل إلا على ذكريات. حتى صوته حين تنهد، بدا غريبًا عنه، كأنه صوت رجل آخر يسكن جسده.

في الأمس، كان سالم شابًا يعتقد أن الوقت ملكه، وأن الفرص لا تنتهي، وأن الغد دائمًا أكثر رحمة. كان يؤجل كل شيء: الاعتذار، القرار، وحتى الحب. كان يقول لنفسه: “ليس الآن”، دون أن يدرك أن “ليس الآن” قد تتحول يومًا إلى “لم يعد ممكنًا”.

في ذلك الأمس البعيد، كانت “مريم” جزءًا من تفاصيله اليومية. لم تكن قصة حب صاخبة، بل حضورًا هادئًا، ثابتًا، يشبه الأمان. كانت تفهم صمته، وتبتسم لتردده، وتنتظر كلماته التي لا تأتي. كان يعلم في داخله أنها تنتظر شيئًا واحدًا فقط: الصدق. لكنه خاف، لا منها، بل من التزام الكلمة، ومن ثقل الوعد.

مرت الأيام، وتحوّلت العلاقة إلى عادة، ثم إلى صمت طويل. وحين قررت مريم الرحيل، لم تصرخ، لم تعاتب، فقط قالت بهدوء موجع: “أنا تعبت من الانتظار.” ظن سالم حينها أن الأمر بسيط، وأنها ستعود، كما تعود كل الأشياء التي اعتاد وجودها.

لكنها لم تعد.

بين الأمس واليوم، تغيّرت حياة سالم. عمل جديد، مسؤوليات أكبر، ووجوه كثيرة مرّت، لكنها لم تترك أثرًا حقيقيًا. كان يضحك، يتحدث، ينجح، لكنه في كل مرة يجلس وحده، يعود ذلك الفراغ القديم ليجلس بجانبه. الفراغ الذي لم يعرف اسمه إلا متأخرًا.

اليوم، بعد سنوات، عاد سالم إلى بيت العائلة بعد وفاة والده. جاء ليجمع الأغراض، ليغلق صفحة، لكنه فتح صفحات لم يكن مستعدًا لها. في درجٍ قديم، وجد أشياء منسية: صورًا، رسائل، ودفترًا صغيرًا. فتحه، فتعرف فورًا على الخط. كان خط مريم.

لم تكن الرسائل عتابًا، ولا شكاوى. كانت كلمات بسيطة، صادقة، تكتب فيها عن أيامها، عن أملها، عن محاولتها أن تبقى قريبة رغم البعد الذي صنعه هو. كانت تكتب وكأنها تعلم أن هذه الكلمات قد لا تُقرأ أبدًا، لكنها كتبت لأنها لم تستطع الصمت.

كل صفحة كانت تعيده إلى الأمس. إلى تلك اللحظات التي ظنها عادية، فإذا بها كنوز ضائعة. شعر لأول مرة بثقل “لو”. لو تحدث، لو واجه، لو صدق… كم “لو” يمكن أن يحملها قلب رجل واحد؟

جلس سالم طويلًا، والدفتر بين يديه، يشعر أن اليوم يواجه الأمس دون رحمة. لم يعد ذلك الشاب الذي يخاف الكلمة، لكنه أيضًا لم يعد يملك الفرصة. أدرك أن بعض الأبواب إن أُغلقت، لا تُفتح مهما ندمنا.

خرج من البيت مع الغروب. الشارع نفسه، لكنه ليس الشارع الذي كان يعرفه. الناس يمشون بسرعة، كأن الزمن يطاردهم، أو كأنهم يطاردونه. تذكر نفسه في الأمس، وهو يمشي بلا خوف من الفوات.

في تلك الليلة، كتب سالم رسالة. لم يكن يعلم لمن يكتب بالضبط، لكنه كتب. كتب لمريم، لنفسه القديمة، لكل شيء لم يُقَل. كتب عن الندم، وعن الفهم المتأخر، وعن درسٍ تعلمه بعد أن انتهى الامتحان.

لم يرسل الرسالة. لم يكن لها عنوان. لكنه شعر براحة غريبة، كأن الاعتراف—even المتأخر—خفف شيئًا في داخله. فهم أخيرًا أن بعض الكتابات لا تهدف للوصول، بل للنجاة.

بين الأمس واليوم، تغيّر سالم، لكن بثمن. تعلّم أن الصمت قد يبدو حكيمًا، لكنه أحيانًا جبان. وأن الانتظار ليس دائمًا صبرًا، بل قد يكون هروبًا. وأن الحب، حين لا نعتني به، لا يموت فجأة، بل يذبل ببطء حتى نعتاد غيابه.

في الصباح، خرج سالم إلى حياته من جديد. لم يعد يحمل وهم الرجوع إلى الأمس، لكنه حمل درسه. قرر أن يكون أكثر صدقًا، أقل ترددًا، وأشد وعيًا بقيمة اللحظة. فهم أن اليوم هو الفرصة الوحيدة المؤكدة، وأن الغد قد لا يمنحنا وقتًا لتصحيح الأخطاء.

هكذا هي القصة بين الأمس واليوم: ليست عن خسارة فقط، بل عن وعيٍ يأتي متأخرًا، وعن قلوب تنضج بعد الألم. قصة تُشبه كثيرين، عاشوا الأمس بلا خوف، واستيقظوا اليوم وهم يدركون أن بعض الأشياء، إن لم نحسن الإمساك بها في وقتها… نفقدها إلى الأبد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top